السيد محمد تقي المدرسي
39
من هدى القرآن
( 103 ) وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ ( 104 ) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ( 105 ) . هدى من الآيات : حينما يبين لنا القرآن حقيقة أو حكما ، لا يلبث أن يضرب لذلك أمثلة عديدة ليس للإيضاح وحسب ، إنما لبيان الأبعاد والحدود أيضا ، ذلك لأن النفس البشرية قادرة على تحوير الألفاظ وتفريغها عن معانيها الحقيقية ، وتحويلها إلى ألفاظ قشرية غير مؤثرة ، بل وقد تعطي معاني غريبة عن المعنى الحقيقي . فلكي لا يأتي بعض المفسرين القشريين ، أو بعض من تسوِّل لهم أنفسهم تبرير الأفعال والانحرافات للناس ، ويفسروا القرآن على أهوائهم وآرائهم ، لم يترك ربنا كلمة في القرآن الحكيم إلا وأوضحها بالأمثلة التاريخية التي لا يمكن نكرانها ، أو تبديلها وتأويلها إلى غير مضامينها . وإذ ذكرنا الله في الدروس الماضية بعباده المخلصين ، الذين يدخلون الجنة بغير حساب ، كنا بحاجة إلى الأمثلة التاريخية التي من شأنها إحاطتنا بصفاتهم وخطهم والطريق إلى هذه القمة السامقة ، فربما زعمنا أننا من المخلصين ، أو مَنيَّنا أنفسنا بذلك ، ولكن القرآن يقطع طريق التمني ، حينما يضرب لنا أمثلة من حياة أنبياء عظام كنوح وإبراهيم وإسحاق ويعقوب عليهم السلام ، ويبين لنا مواقفهم الربانية في تحدَّي الجبت والطاغوت ، ليقول لنا : بأن من لا يتحدَّى الجبت الداخلي ، فيصرع هوى نفسه ، لا يستطيع أن يتحدَّى الطواغيت ويصرعهم . ولأن هذه السورة تعالج في جانب منها مرض الاستكبار ، الذي يتعالى المبتلى به على الحق كذبا وزورا ، وتوضح كيف أنه سينتهي بالإنسان إلى جهنم إنها توضح - في مقابل الاستكبار - صفة الإحسان ، فبينما تعني الأولى المبالغة في حب الذات والتمحور حولها ، تعني الأخرى التنازل عنها وعما يملك الإنسان من الطاقات والقدرات في سبيل الحق والناس . إن الإحسان هو خروج الفرد عن ذاته ، ودخوله في رحاب المجتمع ، وكما يدخل الاستكبار الإنسان النار ، ويجعله لعنة الأجيال ، فإن الإحسان يدخل صاحبه الجنة ، ويخلد ذكره الحسن ومديحه على ألسن الناس في كل أفق وزمان . والقرآن في هذا الدرس ، يؤكد بأن المحسن ليس يجازى من قبل الله في الدنيا والآخرة وحسب ، وإنما يمشي ثناؤه كالطيب بين الناس ، وقد أكد ربنا هذه الحقيقة في أكثر من آيتين لنبيَّه إبراهيم عليه السلام ، مما يدل على أهمية دور الإحسان في رسالة الأنبياء ونبوتهم عليهم السلام .